حسناء ديالمة

262

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

وإذا كان الخلق صفة نفسيّة ، فإن المظهر الخارجي له يسمى « سلوكا » أو « معاملة » وبهذا يكون السلوك دليل الخلق ومظهره . إلا « أن الخلق ليس صفة للنفس في جملتها ، لكن في جانب معين من جوانبها ، وليس هذا الجانب هو جانب العقل والمعرفة ، ولا جانب الشعور والعاطفة ؛ وإنما هو جانب القصد والإرادة . « 1 » وتنعكس الأخلاق على هذه الصفات المستقرة في النفس الإنسانية ، فتظهر حسنها أو قبحها بما يميزها عن غيرها على اعتبار أن آثارها في السلوك قابلة للمدح والذم . والأخلاق تنقسم إلى قسمين : الأول : الأخلاق الفطرية والثاني : الأخلاق المكتسبة . فبعض أخلاق الناس أخلاق فطرية ، تظهر فيهم منذ أول حياتهم ، ومنذ بداية نشأتهم . وبعض أخلاق الناس أخلاق مكتسبة من البيئة الطبيعية ، أو من البيئة الاجتماعية ، أو من توالي الخبرات والتجارب ونحو ذلك . ولذلك في الإصلاح التربوي قد يقبل بعض الناس بعض فضائل الأخلاق بسهولة ، ولا يقبل بعضها الآخر إلا بصعوبة ومعالجة طويلة المدى ، وقد تقل نسبة استجابته . وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق تماما في قوله : « إن الخلق منيحة يمنحها اللّه عزّ وجلّ خلقه ، فمنه سجية ومنه نية . فقيل : فأيهما أفضل ؟ فقال : صاحب السجيّة هو مجبول لا يستطيع غيره ، وصاحب النية يصبر على الطاعة تصبرا فهو أفضلهما » « 2 » . فقد عبّر الإمام بقوله هذا عن الأخلاق الفطرية ب « السجية » ، كما عبّر عن الأخلاق المكتسبة ب « النية » . ولم ينظر إلى الأخلاق على أنها كلها كسبية وإلا لأهمل جانب الفطرة الإنسانية ، ومقتضياتها الخيرة عندما تتهيأ لها عوامل الخير ، كما لم ير أنها كلها وهبية وإلا لأهمل وظيفة العقل ودور الشرع في الإرشاد والهداية ، فضلا عن إلغاء ما للإرادة الإنسانية من دور مهم في هذا الصدد . إضافة إلى أن الصادق يعتقد بأن بعض الصفات الرذيلة في خلق الإنسان كسبية تماما ولم يجبله اللّه عليها ، فليس لها جذور الفطرية بل يعلمها الإنسان طوال حياته من البيئة الاجتماعية . كما أشار إليها في قوله : « بني الإنسان على خصال فمهما بني عليه أنه لا يبنى على الخيانة والكذب » « 3 » .

--> ( 1 ) محمد عبد اللّه ، دراسات إسلامية من العلاقات الاجتماعية والدولية ، دار القلم ، ط 2 ، كويت 1974 ، ص 88 . ( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب حسن الخلق ، ح 11 . ( 3 ) أبو نعيم الأصفهاني ، حلية الأولياء ، ج 3 ، ص 194 .